عماد الدين خليل

42

المستشرقون والسيرة النبوية

يحرض صعاليك العاصمة الحجازية وأرقائها عليه ، وهذا على ما يظهر لي أحد أهم أسباب خلوّ السّور المدنية ولا سيّما تلك التي نزلت في الدور الأخير ، من العبارات القارصة والطعن في سكان مكة « 1 » . وهناك سبب آخر لا يقل خطورة عن الذي ذكرناه الآن ؛ وهو حالة النبي الاجتماعية في المدينة تغيّرت - كما هو معلوم - تغيرا ظاهرا أدّى إلى تغيير نفسيّته فكان من نتائج هذا التغيير ومن الأسباب التي ذكرنا بعضها وغيرها مما لم نذكر ( ؟ ) أن بعض إصلاحات النبي الاجتماعية والدينية جاءت مبتورة وفيها شيء مما يدعوه الأوربيون : التساهل » « 2 » . ويمضي بندلي جوزي إلى القول : « بأن الدّور المكّي كان دور تمهيد واستعداد ، دور بث دعوة جديدة بين طبقات الأمة ، ودور حرب ونزاع كلاميّ بين رجل ثابت في مبادئه مخلص في عمله ، وبين طبقة من الناس شعرت بالخطر على ثروتها وزعامتها في البلاد فهبت تقاوم ذلك الرجل وتناوئه . . دور جهود وأحلام لو تحققت كلّها لقلبت البلاد رأسا على عقب ، ما أجمل هذا الدور وما أعظمه ، وما أحلى تلك الأحلام والمساعي التي بذلت في تحقيقها ، وأما الدور الثاني فكان دور عمل وتنظيم ، ودور حروب وافتتاحات ، ودور سياسة ومكاشفات أدت إلى تساهل من الطرفين ، ومعنى التساهل في مثل هذه الثورات الاجتماعية هو التنازل عن بعض المطالب أو المبادئ أو التلطف في الطلب ، والرجوع عن بعض الأفكار ، أو وضعها في قالب يرضاه الفريقان ، وهذا ما كان من

--> ( 1 ) هذا غاية ما يمكن أن يصل إليه مؤرّخ من خروج على مستلزمات البحث العلمي ، وعبث صريح بالوقائع التاريخية ، وإلا ففي أي زمان ومكان وضعت هذه الشروط ؟ وأين هي من شروط صلح الحديبية التي توافرت بنصوصها الحرفية في كافة المصادر والمراجع ؟ ! . ( 2 ) من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ، ص 49 - 50 .